الاثنين، 14 سبتمبر 2015


يحي علي ياغي

بقلم: حسين أحمد سليم

فنّان بعلبك الرّاحل، يحي علي ياغي، بعلبكي و هب نفسه و فنّه لبعلبك مدينة الشّمس...

ولد في العام: 1943 م و وافته المنيّة في العام 1982 م

الفنّان الرّاحل، يحي علي ياغي، بعلبكي، و كان يحبّ لنشاطاته أن تكون ضمن إطار بعلبك، حيث محلّ إقامته و أهله و مجتمعه... و كان يفضّل إقامة معارضه لأهل بلدته، و يعتبرهم أحقّ بالمعرفة، لأنّه يعتبر نفسه منهم، و لهم...

و الفنّان يحي علي ياغي، كان في حياته يتّسم بالجرأة في الصّراحة، صراحة تصل به إلى حدّ بعيد، لكنّها كانت طريّة، سليمة، و مباشرة, و دون تسويف أو تجريح، يقول من خلالها الأشياء دون أقنعة...

و يحي علي ياغي البعلبكي، صاحب النّفسيّة الطّيّبة، و الذي كان يرسم الأفكار التي تراود عقل الإنسان، وهب نفسه و فنّه لبعلبك، أحبّ فنّه حتّى تخلّى عن مكاسب كثيرة، ليتمكّن من العودة إلى ربوع مدينته بعلبك، و أعطى أهلها ما ساعدته عليه موهبته...

ولد يحي علي ياغي في بيروت بتاريخ 20 / 11 / 1943 للميلاد، من رحم والدته حمدة ياغي، حيث كان والده ف عداد الشّرطة، و هو رابع أفراد الأسرة المؤلّفة من سبعة أبناء...

عاد مع أفراد أسرته إلى بعلبك، و هو طفل، بعد إنتهاء خدمة والده الوظيفيّة، و إستقرّ فيها نهائيّا، و تلقّى علومه الإبتدائيّة و المتوسّطة في مدارسها...

إستهواه الرّسم منذ صغره، و منذ العام 1960 للمبلاد، راح يحسّ بأنّه يملك شعورا و ميلا إلى الرّسم، فإنطلق يرسم المحيط البعلبكي، بكلّ عناصره و مقوّماته: الفلاّحين و العمّال و الفقراء و سوق الخضارو باعة اللبن... و ما أن بدأ يمارس ميله الدّاخلي إلى الرّسم، حتّى أخذت الصّعاب تواجهه، فكان يجهد كثيرا للحصول على عدّة و أدوات الرّسم، فيما كان يتلقّى الإهمال من المحيط الذي كان يعيش في رحابه...

و أقام محترفا صغيرا في منزله و كان يقضي معظم أوقاته في إشباع هوايته، كما أقام صداقة مميّزة مع الفنّان الكبير الرّاحل رفيق شرف...

دخل يحي علي ياغي بداية إلى المدرسة الفنّيّة برأس بيروت، معهد و محترف الرّسّام الفرنسي غوفدير ( CUVDER ) للفنون في بيروت و قضى فيه عامين كاملين 1963 و 1964 مختصرا نظام الدّراسة، و نال على أثرهما شهادة السّرتفيكا في الرّسم و في الفنون بمعادلة إجازة، و فاز يزمها بجائزة المعهد الأولى... و شارك في المعرض الذي أقامته السّفارة الفرنسيّة تكريما للمتخرّجين...

كان يعمل مدرّسا للرّسم و الفنون شتاء، و يتفرّغ لمرسمه في الصّيف، و إختا منزل والديه الأثري لخلوته و ريشته... و كانت مدينة بعلبك، تشكّل دائرة أعمال الفنّان يحي علي ياغي الفنّيّة الأولى، فرسم القلعة، و رأس العين، و سوق الخضار، ثمّ إتّسعت تلك الدّائرة، حتّى شملت لبنان كلّه، و بعض الدّول العربيّة المجاورة لوطنه لبنان...

إنّ البيئة القوميّة، أرضا و شعبا و مصيرا، أو ما يحصل عليها من ظواهر و حوادث، شكّل مادّة رسومات و ألّفت مواضيع لوحاته المختلفة... فالفنّان إبن بيئته، و كلّ فنّ لا يرسم بيئته، ما هو إلاّ مجرّد نزوة فرديّة، تنتهي بموت صاحبها... و هكذا رسم الفنّان يحي علي ياغي مأساة بيروت في األأعوام الأخيرة، و صوّر الكفاح المسلّح، و بطولات الشّعب الفلسطيني في الأرض المحتلّة، و رسم قوافل النّازحين من سوريا و الأردن بعد حرب ألـ 1967 للميلاد...

هزّت نكسة الخامس من حزيران من العام 1967 للميلاد أعماقه، و لم يعد يشغل تفكيره، سوى آلام الإنسان العربي، و بخاصّة أولئك الذين شرّدهم العدوان على الضّفّة الغربيّة من الأردن... بحيث رسم يومها عدّة لوحات، تحت عنوان بؤساء تحت الشّمس: الأرملة المشرّدة و صدمة العودة و فاجعة العائلة... و كان يرصد نسبة معيّنة من ريع بعض معارضه لنصرة العمل الفدائي الفلسطيني في مجابهة إسرائيل...

تمّ تصنيفه في الفئة الثّانية، من قبل مجلس الجامعة اللبنانيّة في محضرها الذي يحمل الجلسة السّادسة و العشرين للعام 1969 للميلاد و ذلك يوم الثّلاثاء الواقع في الثامن من شهر تمّوز من العام 1969 للميلاد، و بحضور أعضاء المجلس (نقولا نمّار, قيصر نصر، أحمد مكّي، محمّد فرحات، خليل الجميّل، كمال بحصلي، جيلبر عاقل، صادر يونس، صبحي الصّالح، مواهب الأسطة، عبّاس علم الدّين)، و شخص رئيسها فؤاد أفرام البستاني. و ذلك بين الأساتذة الذين تتعاقد معهم وزارة التّربية الوطنيّة للتّدريس بالسّاعات في المدارس الثّانويّة و دور المعلّمين و المعلّمات. و ذلك عملا بأحكام الفقرة الخامسة من المادّة الثّانية من المرسوم رقم 2925 تاريخ 7 / 11 / 1953 للميلاد...

و قد أقام أوّل معرض فنّي له في بيروت العام 1964 للميلاد، و أوّل معرض له في بعلبك في العام 1964 للميلاد أيضا، و توالت معارضه فيما بعد، حتّى بلغت سبعة عشر معرضا، ما بين بيروت و بعلبك و القاهرة و ألمانيا الغربيّة و النّمسا التي كرّمته بميداليّة... و أقام معرضه تحت إسم: لبنان و القمر في فندق الكارلتون خلال العام 1968 في بيروت... و أقام معرضا له في صالة الجامعة العربيّة في العام 1969 للميلاد، و الذي أظهر فيه نضجا أكيدا في كتابة اللوحة، من حيث التّوازن في صلابة الشّكل و إنسانيّة الموضوع و إنفتاحه على آفاق عميقة و بعيدة...

و من معارضه في مدينة الشّمس بعلبك، المعرض الذي دعت إليه ندوة الخميس لرئيسها الرّاحل الأستاذ علي شرف، و أقامته في قاعات المدرسة اللبنانيّة، شارع رأس العين، و كان برعاية الرّاحل الشّاعر الكبير سعيد عقل... و كان يوم السّبت في 23 آب من العام 1969 للميلاد... و معرضه التّاسع كان في قاعة الحركة الإجتماعيّة في بعلبك... 

إشترك في خمسة معارض فنّيّة أقامتها وزارة التّربية الوطنيّة و الفنون الجميلة في قاعة الأونيسكو ببيروت في السّنوات: 1965، 1966، 1967، 1968، 1969 للميلاد...

إشترك في المعرض اللبناني في فينّا. و في بينالي الإسكندريّة السّابع للعام 1968 للميلاد...

و الفنّان البعلبكي الرّاحل يحي علي ياغي، كانت لوحاته في غالبيّتها تمثّل مواضيع فلسفيّة فنّيّة متعدّدة تتّسم كلّها بالطّابع الشّرقي و اللبناني... و قد ركب موجة المدرسة التّجريديّة في نتاجاته الفنّيّة، و التي كان مقتنع بأنّها مدرسة لها فلسفتها و مدركاتها و قواعدها و مفاهيمها، و هي لا تزال تؤمن بأنّ الشّكل هو وسيلة للتّعبير رغم تحطيمها للشّكل...

و قد تحدّثت عنه الصّحافة كثيرا، و أشادت بأعماله الخالدة، و أثنت على فنونه الرّائعة...

تزوّج من السّيّدة غفران ياغي في نهاية العام 1969 للميلاد...

و علّم الرّسم في جميع مدارس بعلبك من خاصّة و رسميّة... و أعدّ دراسة فنّيّة تعتبر فريدة من نوعها، لتعليم الأطفال الحروف و الأرقام عن طريق الرّسم... و كان على إتّصال دائم بمركز البحوث و التّوجيه لتبنّي هذه الطّريقة...

و أقام آخر معرض له في مدينة بعلبك، خلال شهر تمّوز من العام 1981 للميلاد، و مع نهاية المعرض، بدأ المرض يتسلّل إليه، و رغم الدّاء ظلّ مثابرا على عمله، و قد أنجز عدّة أعمال، كان قد بدأ بها قبل المعرض...

تمثّل طابع الفنّان البعلبكي، يحي علي ياغي في الرّمزيّة الشّرقيّة، و ميزة هذه المدرسة أنّها، تأخذ رموزنا من عادات و تقالبد المجتمعات الشّرقيّة، دينيّة كانت أم إجتماعيّة أم تاريخيّة، و لكنّها تعطي للرّمز مضمونا جديدا أو شكلا جديدا... إنّها لا تحمل من الرّمز إلاّ إسمه، و تبعث فيه حياة جديدة و أبعادا إنسانيّة جديدة، و تؤلّف الزّخرفة عنصرا أساسيّا من عناصره الرّمزيّة...

و الفنّان يحي علي ياغي في وجوديّته، و في رؤاه الفنّيّة، أخذ من الطّبيعة أبجديّة أشكاله، بكثير من الإخلاص، بنفسيّة مرهفة الشّعور، واضحة النّظر، و بتأنّ و إحساسو ذكاء، بحيث ربط فنّه بمظاهر الأشياء، لينطلق منها بشكل تدريجي، توصّلا إلى تجسيد قدرتها في التّعبير، عن تجاربه الفنّيّة في يوميات حياته... و التي هي واقعيّة، بنسق وصفيّ، تروي حكاية الإنسان في صوره، بميل طبيعيّ، لشعور الرّومنطيقيّة، التي تجسّد في مضامينها، رعشات العاطفة الإنسانيّة النّبيلة... بتنميق فنّيّ للشّكل، و خطّ مدروس و لون يبتكره الفنّان ياغي من دواخله...

داهمته المنيّة في التّاسع من شهر أيّار من العام 1982 للميلاد، بعد أن قضى فترة في مستشفى الجامعة الأميركيّة ببيروت، مخلّفا ثروة فنّيّة متنوّعة، تاركا زوجة (غفران ياغي) و طفلين (زاهر و جوليانا)...

كان الفنّان الرّاحل يحي علي ياغي، وديعا لطيفا، يحبّ كلّ النّاس، على كثير من التّواضع و الطّبيعيّة، و البعد عن الكبرياء و التّ‘الي و التّكلّف...

 

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015


هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه

بقلم: الخبير الهيدرولوجي المهندس عبد الرحمن جميل عيتاني

بسم الله الرحمن الرحيم

إن من أهم ميزات التصميم الجيد لأي منتج جديد لكي يتم قبوله وتسويقه بصورة ناجحة وخاصة المنتجات الالكتروميكانيكية أن يتسم بالصفات المهمة التالية:

1-           أن يدوم فترة طويلة: إن هذه الفترة قد تدوم لمدة يوم (ضوء الإنارة مثلا) ومئة سنة على الأكثر (لمشاريع السدود والجسور مثلا). مع العلم أن معظم المنتوجات الالكتروميكانيكية وكما هو متعارف علميا تدوم بين 10 سنوات و 15 سنة على الأكثر وعندها يجب صيانتها باستمرار بكلفة عالية والأفضل إتلافها واستبدالها بمنتج جديد (السيارات، المضخات، المصاعد، إلخ).

وطبعا أي مصمم أو مهندس يعلم أنه من المستحيل تصميم منتج يدوم أكثر من مئة أو مئتي سنة.

2-           أن يكون معتمد ومضمون: أي يعتمد عليه للقيام بالوظائف المنوطة به ولا يتوقف عن وظيفته المطلوبة فمثلا السيارة لا يجب أن تتعطل كثيرا وكذلك في حال تعطلها يجب أن يكون تصليحها سهل نسبيا، أما ضوء الإنارة مثلا في حال تعطله يجب إتلافه فورا.

ولكن هل يمكن تصميم منتج إلكتروميكانيكي لا يتعطل أبدا. طبعا هذا مستحيل علميا.

3-           أن تكون كلفته مقبولة: كلما كان المنتج جيدا طبعا ستزداد كلفة إنتاجه.

ومن المستحيل أيضا تصميم منتج عالي الجودة دون أي تكلفة.

4-           سهولة ومتطلبات التشغيل: إن كافة المنتجات الالكتروميكانيكية تتطلب مصدر للطاقة للتشغيل كالمحروقات مثلا للسيارات والطائرات والكهرباء مثلا للمصاعد والمضخات وهذه المتطلبات تشكل عبئا كبيرا على المستهلك، بالإضافة إلى أنه كلما كان تشغيل المنتج أسهل زاد طلب المستهلكين له.

وطبعا أي مصمم أو مهندس يعلم أنه من المستحيل تصميم منتج الكتروميكانيكي لا يتطلب أي مصدر للطاقة أو أي عملية تشغيل.

5-           سهولة الصيانة: وخاصة حين حصول بعض الأعطال الخفيفة.

6-           أن لا يصدر ضجيجا: فالسيارة مثلا تصدر ضجيجا طفيفا أما بعض المكنات الضخمة كالجرافات تصدر ضجيجا مزعجا.

7-           أن لا يلوث البيئة: فالسيارة مثلا تصدر غازات سامة ومعظم المنتوجات الالكتروميكانيكية لا تتحلل عند إتلافها بعد الانتهاء من استعمالها.

8-           أن لا تحدث ضررا: فمثلا السيارة تتسبب بحوادث سيارات كثيرة مما يتسبب بالعديد من القتلى والجرحى يوميا.

9-           الشكل الجميل: كلما كان شكل المنتج جميلا وحجمه مقبولا يلقى قبولا واسعا من المشترين.

إن ميزات التصميم التسعة الواردة أعلاه يجب أخذها بالاعتبار حين القيام بتصميم أي منتج ناجح جديد وطبعا هناك ميزات أخرى أقل أهمية. ومما تقدم أيضا ندرك صعوبة وبالأحرى استحالة أن تقوم أي شركة مصنعة مهما كانت متخصصة أن تقوم بإنتاج منتج الكتروميكانيكي يتسم بكامل الصفات الواردة أعلاه على أفضل نحو.

والآن لنتأمل ونفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى وهل تتسم بالصفات الواردة أعلاه ولنبدأ بأبسط مخلوقات الله وهي النباتات نظرا لأن الحشرات والحيوانات والإنسان هي معقدة أكثر بكثير مما يتصور أي عقل بشري.

1-            أن يدوم فترة طويلة: إن كافة النباتات التي خلقها الله وجدت وما زالت تقوم بوظيفتها المطلوبة منها منذ ملايين السنين والإعجاز في خلق الله أن الله أوجد البذور في كل النباتات لكي تتجدد باستمرار وهذا مستحيل في أي منتج بشري.

2-            أن يكون معتمد ومضمون: إن كافة النباتات التي خلقها الله مضمونة ويعتمد عليها منذ ملايين السنين لإطعام الحيوانات والإنسان والطيور وحتى الحشرات وطبعا هذا مستحيل في أي منتج بشري.

3-            أن تكون كلفته مقبولة: إن كافة النباتات التي خلقها الله تتكاثر في الطبيعة دون أي كلفة وذلك بواسطة الأمطار والرياح وأشعة الشمس والتربة الصالحة للنبات إلخ إلخ وطبعا لا يوجد أي منتج بشري دون أي كلفة.

4-            سهولة التشغيل: إن النباتات التي خلقها الله لا تحتاج إلى أي تشغيل حيث تقوم بكافة الوظائف المطلوبة منها تلقائيا حيث أن الله أوجد كافة مستلزمات النمو والتحليل الكلوروفيلي للنبات كالتراب والأمطار والرياح وأشعة الشمس إلخ.

5-            سهولة الصيانة: إن النباتات لا تحتاج إلى أي عملية صيانة وفي حال حصول أي ضرر للنبات في حال العواصف والرياح الشديدة مثلا كسقوط بعض الأغصان مثلا فإن النبات يعيد نمو أغصان جديدة تلقائيا.

6-            أن لا يصدر ضجيجا: إن كافة النباتات لا تصدر أي نوع من الضجيج سوى صوت حفيف الأشجار حين وجود الرياح وهذا الصوت من أجمل الأصوات في الطبيعة حيث يرتاح الإنسان لسماعه.

7-            أن لا يلوث البيئة: إن النباتات لا تحدث أي نوع من التلوث للبيئة بل على العكس تقوم بإزالة التلوث وحماية البيئة مثلا إن النباتات تأخذ ثاني أكسيد الكربون وتعطي الأكسجين النقي بالإضافة إلى الأشجار التي تلطف المناخ وتمنع التربة من الإنجراف عند حصول السيول والأمطار الغزيرة. وحين موت النبات فإن البعض منه يتحلل تلقائيا أو تأكله الحيوانات أو يتم استعماله من قبل الإنسان في المنتوجات الخشبية أو كحطب للتدفئة.

8-            أن لا تحدث ضررا: إن كافة النباتات وكما تقدم لا تحدث أي ضرر أو تلوث بل على العكس تفيد البيئة والحيوانات والإنسان.

9-            الشكل الجميل: إن كافة النباتات هي جميلة الشكل وتريح النظر والبعض منها روعة في الجمال والرائحة كالورود على أنواعها.

سبحان الله الخالق البارئ المصور بديع السماوات والأرض الذي أوجد كل هذه الميزات الخارقة التي تكلمنا عنها أعلاه والتي لا يستطيع أي مهندس أو مصمم أن يفكر بإنتاج منتج ولو بميزة واحدة من هذه الميزات الخارقة. فكيف يمكن لأي عاقل أن يقول أن كل هذه النباتات والحيوانات والمخلوقات وحتى الكون بأكمله قد وجدت بالصدفة.

إن الميزات التي تكلمنا عنها في هذا المقال هي ميزات النباتات فقط وإذا أردنا أن نتكلم عن الميزات الموجودة في الحيوانات وفي البشر فيلزمنا مجلدات لذلك حتى أن العلم البشري لم يصل إلى معرفة واحد من مليون من الميزات التي خلقها الله في الحيوانات وفي الإنسان. ليس الميزات الخلقية فقط كعمل القلب والدماغ والنمو والتكاثر ونقل المعلومات الجينية والوراثية إلخ بل ما يوجد في الإنسان والحيوان من شعور بالألم والسعادة والكره والحب والبكاء والضحك والتفكير والنطق وغيرها من الأمور التي يستحيل على البشر بصنع منتج يتسم بهذه الصفات.

أعيد وأكرر ما قال الله عز وجل في كتابه الكريم "هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه".

السبت، 5 سبتمبر 2015


سيّدةُ مدينةِ الشّمسِ رولاها الحاكمةُ

بقلم: حسين أحمد سليم

من قمّة جبل النّور السّاطع، حيث بقايا مرقد الوليّ أحمد الطّائع، و من منارة النّبي رشادة، إلى حيث تتماهى شمسُ بعلبكّ، بكوكبِ سيّدةِ مدينةِ الشّمسِ، رولاها الحكيمةُ الحاكمةُ، ديوتيما العصرِ، مُعلّمتي و ملهمتي الحبّ  الأقدس و العشق الأطهر، تتكوكبُ في قلبِ النّقطةُ الإشراقيّةُ، تتوامضُ كما النّجمِ الثّاقبِ في قبّة السّماءِ، تُشكّلُ قوسَ الألوانِ هالات أطيافٍ، لِتتجلّى آيةً من بدائع صنع الله عظمةً، تتلامعُ في مدى إمتدادتِ مدينة الشّمسِ، هيليوبوليس...

ناسكةٌ تتعبّدُ في قلب نبيٍّ، بصومعةٍ من صومعاتِ مدينة الشّمس، تبحثُ عن ذاتها في شغافهِ المتموسقةُ ولهًا في عظمة الله، سيّدةُ الحبّ الأقدسِ، و مليكةُ العشقِ الأطهرِ، نجمةُ صبحٍ، تغنّي آمالها على أوتار التّمنيّاتِ، المعسولة في غياهبِ خافياتِ الإفتراضياتِ، تتألّقُ كالجوهرِ المكنونِ في ذاتها، تُرتّلُ الله في السّحرِ قبل صلاةِ الفجرِ، تُبشّرُ سلامًا و أنسنةً و حياةً، بقدومِ سيّالاتِ الشّمسِ الحالمةِ الدّافئةِ، لمدينةِ الشّمسِ التّاريخيّةِ، تتماهى عنفوانًا و كبرياءً في الأفقِ الشّرقيِّ، قاب قوسينِ أو أدنى من القمم الشّمّاءَ في بلادي...

قدّيسة بعلبكّ رولاها الرّاهبةُ الصّوفيّةُ، ورثت من الأمسِ البعيدِ، صومعةَ قايينَ منذ البدءِ، ذلك الهاربُ في القفارِ و الصّحاري و السّهولِ، يعدو خلف السّرابِ في الصّحراءِ اليبابِ، اللاجيء قدرًا إلى غفران الرّبّ بقابيلَ القربانِ، يُقدّمُ الوعدَ الصّادق في بعلبكْ، عهدًا على مذبح المطهرِ المقدّسِ، يوقدُ شموعَ الخضرِ "العبد الصّالحِ" فوق صخرةِ القداسةِ،  حيث صُعِّدَ إلياس النّبي للسّماءِ، رسول الحقِّ لبعلبكَّ التّاريخِ، و تركَ خلفه كنيسةً على جرفٍ صخريٍّ، يقومُ على حراستها حجر الحبلى، كما يحرسُ مرقدَ خولةَ بنتَ الحسينِ...

شجرةُ السّروِ المعمّرةِ، رولاها التّكبيرُ و التّعظيمُ و الرّكوعَ و السّجودَ عبادةً أخرى، و مناجاةٌ و تهجّداتٌ و إبتهالاتٌ، تقامُ عند الضّريح الذي تهفوا إليهِ أفئدةُ النّاسِ، حبّا و عشقًا و تعظيمًا من كلّ حدبٍ و صوبٍ... كأنّها شجرة اللِزّابِ التّاريخيّةِ، التي بخسها حقّها القدر التغريبيُّ، ليُبوّيءَ شجرة الأرزِ محلّها زورًا و بهتانًا، شجرة اللِزّابِ في الجبالِ الشّماليّةِ الشّرقيّةِ لسهلِ البقاعِ، رولاها العربيّةُ التي تتحدّى قهر الصّعاب، تتعملق على العقبات في مطاوي المكانِ و الزّمانِ... و كأنّها الأعمدةُ السّتّ في هيكلِ جوبّيتّير َو معبدهِ... أرى في أسرارِ رولاها، الفينوسَ ربَّةَ الحُبِّ و العِشقِ، و مليكة الفتنةِ والإغواءِ و الإغراءِ...

تِهْ عنفوانًا وادي البقاعَ برولاكَ البعلبكيّةَ، رمزُ الإباءِ و سِرُّ العنفوان و الكبرياءِ، أرى فيها لِزّابّ لبنان الصّامدِ على مرِّ الزّعازِعِ، و أرز لبنان العتيدِ، بمجده و عزّهِ، و أستشعرها في البعدِ قبل القربِ، تاجَ العروبةِ، من الخليج الحرّ إلى محيطِ المحيطِ... الإنسانيّةُ دينها في روحِ الإنسانيّةِ، توحي الحقيقةَ للتّاريخِ الأصدقِ في توثيقهِ، و تلهم الجغرافيا الأطهرِ في إمتداداتها فوق الأرضِ...

الماضي و الحاضرِ و المستقبلِ، رُلاه بشاراتٌ في آياتِ سورة النّساءِ في القرآنِ، قداسةُ المودّةِ و طهارةُ الرّحمة، في ثنايا و سيّالاتِ روحَ الحبِّ الأقدسِ و العشقِ الأطهرِ...

أناديكِ سيّدةُ المدينةِ، رولاها الحاكمةُ، هل تسمعين ندائي؟ يا زينة الأسماء، و بسمة الغبراء، كم تتجلّى هالة طيفكِ الجميل بالسّناءِ، رغم البعدِ النّائي، أراه إسمكِ الموسيقيّ، يبسمُ لي في هدأةِ الليلِ و سكينةِ الظّلماءِ، و يتماهى كالقنديلِ المعلّقِ في قبّةِ الفضاءِ...

إسمكِ المبارك، يا حبيبتي، يتموسق به لساني، و تترنّم بمحارفه شفتي، إسمكِ مُقدّسٌ، طاهر الرّمزِ، لطيفُ الرّنّةِ، أُردّدهُ، أُجوّدهُ، أُرتّله برقّةٍ و شوقٍ و تشاغفٍ و لهفةٍ، أتحسّسهُ، أستشعرهُ ساريًا ينساب كأثير نسمةٍ من الأنسام...

إسمكِ الجميلُ ومضُ إشراقةٍ في وجداني،  يُداعبُ خيالي، يتغلغلُ في طوايا أحاسيسي، و تحلو له السّكنى في مخيّلتي، إسمكِ العذبُ المحارفِ، قٌدّ من رحمِ أبجديّة الضّادِ، تُرتّلهُ شفتيّ، و تردّده مناجاةً و إبتهالاتَ، كأنّه بشاراتُ إنجيلِ الحُبِّ، و الرّمزُ القدسيُّ في آياتِ المصحفِ المُنفردِ بذاته...

إسمكِ المُكتنزُ بأسمى المعاني، يُلهمني الإبداعَ و الخلق و الإبتكار، نثرًا و شعرًا و فنونًا في البعدِ، إسمكِ الفوَّاحُ بطيبِ العطرِ، يبعثُ في نفسي السّرورَ و الحبورَ، و يُنعشُ في قلبي الغبطةَ و الجذلَ، و يُجدِّدُ في فكري الطُمأنينةَ و الرّاحةَ، و يسمو بي فوق الحياةِ، و يعرجُ بي على صهواتِ التّرقّي صعدًا إلى السّماءِ، ليرودَ بي الفراديسَ الإِلهيّةَ، الموشّاةَ بالورودِ من كلّ شكلٍ و لونٍ، و اللينوفارِ الهنديِّ المقدّسِ...

إسمكِ يُنعشني، و ينتشلني من رميمي، فأمتشقُ الرّباب التّراثيّةَ، ذاتَ الوترِ الأوحدِ، المُختارَ من جودةِ ذيلِ الأصايلِ العربيّةِ في بعلبكّي، أُسقيه من دموعِ حجرِ اللُبّانِ، أشدّهُ حنينًا على حنينٍ، و أرفعه على صهوةِ الكُرّابِ، ليتجلّى ترنيمًا في إهتزازاتِ توجّدهِ المُموسقِ، و أمارسُ جنونًا آخرَ، عفقاتَ أناملي الحانيةِ الدّفءِ، تتلاعبُ خِفّةً على أطرافِ الوترِ، حث يستلقي الوترُ مطمئنًا على وسادته النّاعمةِ، و جرّاتَ تشاغفِ الوترِ الأوحدِ، تتوجّدُ على حنين الوترِ الأوحدِ، و أنا ثملٌ من حميميّةِ حُبّكِ الأقدسِ و عِشقكِ الأطهرِ، و أنتِ بعصاكِ التّراثيّةِ، تتمايلينِ فلكلورًا عريقًا، بقوامكِ الأملودِ، الممشوقِ فتنةَ إغواءٍ و إغراءٍ، على ذمّةِ الرّقصِ البعلبكيِّ الشّرقيِّ الرّيفيِّ، و دقّاتُ الأقدام بالأرضِ قوّةً، و الصّدرُ الكاعبُ بالإغواءِ، يُراقصُ نهديكِ النّاهدِينِ عنفوانًا، و حلمتيهما تشرئبُّ للعلا تتحدّيانني...

أُقلبنُ عقلي و أعقلنُ قلبي و أُتوّجكِ في الله حبيبتي، و أُسمّيكِ معشوقتي، و في التّوصيفِ لكِ، أسرارٌ، أبوح بها جرأةً، و ما بها أُعبّرُ، أبتكرُ الكَلِمَ من رحم وعيي الباطنيّ، و عرفاني الذّاتيّ، أُشكّلُ لها معانٍ أُخرُ، من قاموسِ خشوعياتِ تهجّداتي و مناجاتي، ليضوع الطّيبُ لكِ، و بعضُ الشّذْيِ وردٌ أنيقُ و ريحهث عطِرُ، يا نجمَ الصّبحِ الجميلِ و رولاهُ، يا الضّوءُ النّيّرُ...

أنتِ الحكيمةُ الحاكمةُ، يا سيّدةَ المدينةِ المُشمسةِ، مدينة الشّمس بعلبكّ، يا أصيلة العروبةِ، يا فخر الأسماءِ، و يا بسمةَ الغبراءِ و السَّماءِ، دائمًا و أبدًا، إسمكِ بفمي أُردّدُ، و بقلبي به أتموسق، حتّى تحينَ ساعةُ اللقاءِ...

  

 

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015


مسارات في كتابات فاتي الجزائريّة

 

بقلم:حسين أحمد سليم

 

تُخيّم على حين ومضة من حركة هدأة السّكون, و تنفلت قدرًا من قيود المكان, تتحدّى حركة فعل الحركة في مسارات الزّمان, فتولد من قلب المدى اللامحدود و اللامتناهي، لحظة الخلق و الإبداع و الإبتكار...

تتماهى قدرًا في تلك الفضاءات الممتدّة, الموغلة في بعد الإتّساع, و هناك, على ذمّة القدر, تبتدئ اللحظة اللامحدودة, التي تحمل السّرّ الدّفين, في حلقة سمة الإستمرار في كنه إنتعاش الحياة...

من ذلك المغمور, تنطلق الخيوط الفضّيّة, بالإهتزازات الأثيريّة, لتتوالد الأحاسيس, و تتكاثر المشاعر, و تقترن ببعضها, فعل مودة و رحمة, فتنهمر من السّحب الفكريّة اللامتناهية, معالم جرأة البوح, إنهمار المطر فوق الأرض العطشى... فعل قداسة في الحب و حركة طهارة في العشق عند الكاتبة الجزائريّة الموسومة قدرًا آخر " فاتي"...

          الكتابة الصّادقة كما قداسة الحب و طهارة العشق… سِرّ من أسرار الله تعالى, أودعهما في قلوب النّاس, من ذكر و أنثى, أكبر من أن يعرّفا بحروف أو كلمات أو أقوال أو قصائد أو خواطر, و أوسع من أن يحدّا بكتاب, أو موسوعة... أو حتى بترجمة مادّيّة, أو يحصرا بمشاعر رقيقة... و نبقى عاجزين عن أيفاء الحب بنبضه العارم, و الإخلاص لنبضات القلوب العاشقة, و الدّخول إلى حنايا القلوب, و الإبحار في شفافيّة الرّوح, و التّحليق في طور الحب و عالم العشق و سحرهما اللانهائي, خارج حدود الزّمان, و أبعد من محدوديّة المكان, و من الصّعب إعطاؤهما حقّهما من الجمال, و العذوبة, و التّسامي, و اللوعة, و الحق, الخلق و الجنون... لأنّهما هما حركات أفعال الإبداع و الخلق و الجنون و الكتابة و التّجلّي الأشفّ عند الكاتبة التي تتماهى قدرًا محتومًا بإسم " فاتي "...

          من هنا، من هذا المنطلق الرّوحي، الإنساني، ينهمر الإبداع, و بإنهماره تتجلّى لوحة الفنّ الآخر في كتابات الكاتبة " فاتي "واضحة المعالم, ترسم الوجه الآخر, في حروفيات كتابيّة, كما اللوحة الفنّيّة التّشكيليّة, قطعة موسومة في نقاط و خطوط و ألوان و أشكال  كلمات و قصائد, تعكس المعاناة بكلّ شفافيّتها و عذوبتها... ففي تلك اللحظة الخاطفة, حيث يرتسم البوح, فعل إنهمار الوحي من كنه البعد الآخر, مبتدئا من عمق الخيال, ماضيَا في تدفّقه, عبر موجات الأثير الفكري في حركة تأجّج من نوع آخر, تشقّ طريقها في ثنايا الضّوء الفضّيّ للمعرفة و الوعي, نحو حدود تلمّس الإشتياق من وحي الأحاسيس, وصولا حتّى مصبّ المشاعر في حنايا النّفس, لتحرّك خلجات الفؤاد, فإذا النّقاط و الألوان و الخطوط حروف ومضات بارقة تتمازج لتؤلّف اللوحة الكتابيّة الفنّيّة المميّزة, في رحلة تحوّل عبر مراحل الخلق و الإبداع, لتصنع العبارات الموسيقيّة بالرّؤى المتموّجة بين ذبذبات الحروف و توزيعها في مشهديّة اللوحة الكتابيّة النّثريّة و الشّعريّة للكاتبة " فاتي "...

          و هكذا مقولة السّمفونيّة المتفاعلة, تومض في أرجاء فضاءات الذّاكرة الإنسانيّة, تحرّض البوح الفنّي للحروف في تدفّق غزير, يندفع بقوّة السّحر, نحو ملامس الفراغ المطلق, عند حدود الاشتياق الأقصى, ليجتاح كل المظاهر المعلومة, حتى تصل الوحدات الوامضة بالأسرار, إلى حنايا النّفس, و تذوب في شغاف القلب, فتحرّك الخلجات الهائمة, في مطاوي الفؤاد, لتولد اللوحة النّصّيّة الفنّيّة قصيدة سمفونيّة, من رحم الأحاسيس و المشاعر, من رحم الحب الأقدس و العشق الأطهر, عند الكاتبة " فاتي "...

          فالحبّ قداسةٌ تتألّق في كتابات " فاتي " و نبضاتٌ كونيّةٌ, و خيوط فضّيّةٌ, و ذبذبات ماورائية موغلة في اللانهائي, مشدودة من نبض الفصول, مخضرّة الأوراق من تفتّح الزّهور, و تفتق الورود , لترسم ماهية الحياة, سرّ الوجود في نثائر و خواطر وترانيم الكاتبة " فاتي "...

          الكتابة سرّ الله الدّافق, الجارف, المتأجّج دوما في حنايانا, القوّة الخارقة, التي تحوّل قلوبنا إلى جمر... السّلطة القاهرة التي تحوّل عيوننا إلى قناديل, و السّحر المميّز الذي ينقل بسماتنا إلى أقمار , و وجودنا المادّيّ إلى طاقة معطاء دون قيد أو شرط... فتولد اللوحة الكتابيّة الفنّيّة قصيدة شعريّة أو قصيدة نثريّة تتماهى بإسم " فاتي "...

          تلك اللوحة الكتابيّة الفنّيّة بكل معالمها, و رغم الألم اللذيذ الذي تعانيه الكاتبة " فاتي "، تنثر من عناصرها وجع الشجوّ العالق في أوتار الأحاسيس, الذي يضمّخ حركة إهتزاز المشاعر, بعبق اللون, لتنهل قريحة الكاتبة من مكامن الذّكريات, خواطر الماضي, في أفق الحاضر لرسم معالم المستقبل... فإذا الكون بإمداداته المتّسعة و فضاءاته اللامتناهية في متناول الكاتبة " فاتي " لتقدّم لوحة أعماقها على صفحة من ضوء مرسومة بالحروف و الكلمات و المقاطع... و بقدرة عجيبة تجترح فعل إلتماس البعد الفنّي لبناء هرميّة النّصّ في قصيدة نثريّة في مكانها و زمانها المناسبين... هذا الوحي العجيب الذي يخلقه الإفتتان بالأشياء, له القدرة على تحويل الأحاسيس إلى صور لها خصوصيّة تعكس فعل التّفرّد في منهجيّة التّعبير, عما يجول في النّفس, من إنفعالات شتّى تفتح النّوافذ على مساحات الرّؤى الفكريّة الفنّيّة, أمام ناظريّ الكاتبة، و كلّما إزدادت تلك الأحاسيس، بفعل حركة الحبّ الرّحويّة, كلّما كانت الولادة الكتابيّة الفنّيّة...

          حركة الكتابة, نرشف من معينها, و نرتوي بلقاء الحروف و الكلمات مع الفكرة, و نجن بالكتابة كلّما سمونا بها صعدا نترقّى معها و بها... فالتّأليف الكتابي بكافّة أشكاله و ألوانه و فنونه قصائد حب و عشق, و تبقى اللعبة الفكريّة الكتابيّة تقضّ مضاجعنا, تسرقنا من أنفسنا, من ذواتنا, من هدأتنا, من سكوننا, تفتح جروحنا, تفلج أنيننا, تضمّخ حياتنا بالآهات الحرّى, فتبارحنا قوانا, و تجافينا كينونتنا, و تغيب عنّا كلّ اللغات لتسود لغة الكتابة, فنحبوا أمام النّصّ, كما الأطفال, ننحني للحروف و الكلمات بخشوع, و نستسلم لرحلة الفنّ الأدبي دون مقاومة, و ننقاد في دروب الرّسم, نغنّي الجمال طوعا, نعزف على شعيرات الرّيشة  هياما في المدى, حيث لا زمان, و حيث لا مكان, و حيث لا أحد, و حيث لا ألم, و لا ضيق, و لا قسوة, بل عالم آخر... عالم الفنّ الأدبي الرّحب, المتضمّخ بالجمال, بالسّحر و بالحبّ و الحنان و المودّة و الرحمة...

          في هذا الجو الآخر من العطاء, كلّما سمت النّفس, كلّما إرتقت و زادت لديها, زادت الإمكانيّة المعطاءة لدى الكاتبة " فاتي "و إزدادت قدرتها على الإنتقال من فعل التّصوير إلى فعل الرّسم إلى فعل النّحت على جدران القلب بالحروف العاشقة و الكلمات الحالمة و النّصوص الهائمة...

          ففي رحاب عالم الفنون الكتابيّة, تتبرعم من نسغ الخلق و الإبداع, معالم فنّ تشكيليّ أدبيّ آخر, فن هو إمرأة أتت من رحم حوّاء، تخرج بوشاح الكتابة و النّظم, و تجوس بلوحتها الكتابيّة متاهات الحلم, لترسم الغد المأمول, في إندفاع من جوهر معيّن, يحمل كلّ أشكال الخصوصيّة الأنثويّة في حروف و كلمات و لوحات و مشاهد كأنّها أناشيد و قصائد و منظومات للكاتبة المبدعة "فاتي " تتجلّى في ومضات فكريّة تشكيليّة تحاكي الخواطر الموسيقيّة العذبة و اللطيفة...

          في تلك الحالة, من ماورائيات الخيال, تتجسّد معالم الخلق, و ترتسم حالات الإبداع عند الكاتبة " فاتي" من فعل حركة الإلهام, و يتشكّل الوحي, لتتحوّل أثيريّة المشاعر و الأحاسيس, إلى حروف و كلمات و خواطر عاشقة, تتحوّل بحكم الحبّ و العشق, الحب المطلق, إلى ورود مختلفة الألوان, متعدّدة الأشكال, تغدو في المكان و الزمان, فعل مزارات مقدّسة, لفراشات الفرح الزّاهية, اللاتي ولدن من ألوان الطّيف... فإذا الكلمات الفنّيّة اللونيّة الولهة, تتزاوج في العبارات العاشقة, الهائمة في فراغات الرّوح, و ثنايا النّفس, لتصطبغ بحركة الرّؤى, المتموّجة بحكم الجاذبيّة البشريّة, بين الفضاءات الفكريّة, و المعالم المعرفيّة, المتوالدة من كنه الأحاسيس و المشاعر... تلك الهائمة طوعا, بين ثنايا الأثير, لتفصل بين مظاهر النّور و الظلام, و تفرّق بين معالم الحق و الباطل, و تميّز بين فعل الواقع و حركة الخيال... في عالم الفنّ الكتابي, الذي هو عالم الحبّ الأسمى, في رؤى الكاتبة الجزائريّة " فاتي "...

          هذا الفنّ الأدبي, سمفونيّة أبديّة صادحة, خالدة, و أغنية جميلة مملوءة بالأشواق, عميقة الحنان, بعيدة المودّة, تنضح بالسّحر و الجمال... و هذا الفنّ الأدبيّ, هو الرّغبة الصّادقة في إمتلاك السّعادة, و هو سلامة النّفس في أعماق الأبديّة, و هو العلم الوحيد الذي كلّما أبحرنا فيه نزداد جهلا... و هذا الفنّ الأدبيّ يعتبر أقدس حقوق النّفس البشريّة, و أقرب الأشياء إلى الرّوح الإنسانيّة, و هو الحلقة الذّهبيّة التي تربطنا بالحقّ, بالله, و بالحياة, و بالأيمان, و بالوجود, و بالجمال, و بالواجب عند الكاتبة " فاتي "...

 

          والكاتبة "فاتي" لا تختلف عن غبرها من الكاتبات و الكتّاب, إلاّ بكيفيّة مشاهدة الحدث, و كيفية مشاركتها فيه, و كيفيّة تحليلها له, بطريقة خاصّة, و صياغته بشاعريّتها النّثريّة و أسلوبها الخاصّ, و بالتّالي نقل الصّور المتعدّدة, إنّما بأسلوب فنّيّ أدبيّ خاصّ, و إحساس شعريّ مرهف, مع ما تضفي على كتاباتها من واقع موهبتها الفنّيّة الفكريّة, و خبرتها الحياتيّة المديدة, و ثقافتها الشّاملة, و سرعة خاطرها, لتزيد على النّصّ بعضا من روحها و فلسفتها و براعتها و نباهتها, فإذا عناصر القطعة الكتابيّة, تعكس صدق النّفس, و صدق الرّأي و الموقف, بإرادة واعية, وجرأة واضحة للوجود و الحياة و الحب...

          "فاتي" كاتبة من وطني العربيّ الممتدّ, من بلاد الجزائر, تلجّ عالم الفكر و الكتابة بقوّة, لتكحّل العين بالجمال النّصّي, و تنقر الفؤاد بألوان أدبيّة فلسفيّة تحليليّة صارخة أشبه بالجمرات, و تسكب أنفاسها في لوحات أدبيّة فنّيّة شاعريّة, و تلد تأوهاتها إبداعا, و تسجّل نبراتها و نبضاتها فعل مشهد ساحر, و ترتّل بعضا ممّا تكتب و ترسم و تشكّل, و تغنّي خواطرها الملتهبة بالمعاناة و ثقل الموروثات و قيود الأعراف و سلاسل التّقاليد، في كلّ متناغم...

 الكاتبة " فاتي " تشرب من معين العذوبة الفكريّة, و تغرف من منابع الخلق و الإبداع, حيث تستغني القلوب النّقيّة, تبتغي حقّ الوجود, تروم إثبات الذّات الأنثويّة, تطمح لتأكيد المناقب النّسائيّة, ترنو لمساحة واسعة من الأمل المرتجى, من خلال التّطلّع و الطّموح الفكري  الشّاعري الفنّي, و الذي تتعاطى مع عوالمه كنسغ الحياة, تصنع منه إنتفاضة الفكرة في رحم التّكوين العقلي لوحة خواطر فنّيّة ساحرة...

          الكاتبة "فاتي" شاءت في خواطرها الفكريّة, أن ترود خيمة الفنون الكتابيّة, من مضارب الفعل الحرّ, لترتدي عباءة الخلق و الإبداع, و هي تجوس الفكرة تلو الفكرة, في سرادقات الأحلام للغد المأمول... لتصل في محاكاتها الأثيريّة الشّفيفة, إلى أبعد ممّا تحمل الصّور الفنّيّة في مضامينها الكتابيّة, و ما تحوي في طيّات عناصرها الحالمة بالغد المأمول... المبحرة في فضاءات الرّؤى ألى الآتي على صهوات الآمال المرتجاة...

          " فاتي " الكاتبة الجزائريّة المغمورة وراء خمار التّقيّة التي لا بدّ منها في مجتمع الأمس المتعصّب و المتحجّر, تحملنا في خواطرها و أفكارها إلى عالم الفنون الأدبيّة, بقلم فنّيّ نابض, فيه قوّة التّصوير, و منطق السّحر... بحيث تؤرّخ للفنّ الأدبي, و تبادر في سجالها و نضالها و وصالها, و تحدّق من خلال لوحاتها و خواطرها  في الأقاصي لأجل رؤية جديدة, و لأجل أمل مرتجى, تحاكيه و يحاكيها من وحي الحروف و الكلمات و الخواطر... فإذا بها تسجّل خلجات النّفس في معالم البوح الحالمة, و ترصّع الأيام بنغمات الكلمات, في أغنيات نصّيّة جماليّة عابقات بالحبّ و الحياة, و تعزف على أوتار القلب خواطرها و جنونها الكتابي, فإذا الذّات الإنسانيّة في حالة إهتزاز طربا, لمشهديّة الخواطر التي تجسّد شفافيّة الرّوح عند الكاتبة " فاتي " و تؤكّد صدق الذّات في عبقها, راسمة حقيقة النّفس في رومانسيّة معيّنة, تأتلق مع عمق المشاعر الكامنة في خفايا الحنايا, الممزوجة بخلجات الفؤاد, الرّاقصة بزهوّ على إيقاعات الحروف و الكلمات و الخواطر, التي تغنّي فيها للحبّ و العشق و الحياة, تترجم صور الأحلام إلى واقع ملموس, و تحقّق الرّؤى و الآمال في حقيقة تحاكي الآفاق البعيدة...

          تتجاذبنا حروفيات و خواطر الكاتبة " فاتي ", بحكم الحب بينها, في منظومة التّعبير, و تتناهى إلينا حركة الفتنة من فعل الإقتران بين الخواطر و الذّات على ذمّة العشق الفنّي, لتتولّد اللوحات الكتابيّة على وقع اللحن الأثيري, و سمفونيّة الأصوات الصّامتة في البعد, فيتجسّد الفنّ الأدبي, و ينتقل من فضاءات الخيال الفكري, ليرتسم في تشكيلة, فوق مساحة من الأمل المرتجى, و تتألّق معالم القطعة, في معالم التّجريب... و التّعوّد على معايشة العناصر الفكريّة ذات المدلول الإبداعي المميّز...

          أتحسس الكاتبة "فاتي " تسكن الحروف و الكلمات و الخواطر, بحكم محاكاتها الرّوحيّة في ذلك العمر الكاعب, للأبجديّة الفنّيّة المعشوقة من ذاتها, المبحرة في نفسها... تراودها تشكيلة الفنون الأدبيّة, و تحاكيها صور التّشكيلات الصّحافيّة, على فعل جماليّة المعنى, ليتوافق مع الجوهر...

          الكاتبة " فاتي " بحكم إئتلافها مع المنظومة الفنّيّة الأدبيّة, و محاكاتها رنين المنظومة الحروفيّة, في آفاق فضاءات الخلق و الإبداع... و بحكم التّآلف مع لغة التّعبير, تسكنها القطعة الكتابيّة, في مكنون معانيها, و تجعل من نفسها, و أحاسيسها الدّفينة, في غياهب وجودها, سرادقا خاصّا لها, و تجعل من أثيريّة روحها, الهائمة في ملكوت الله, مأوى لها...

          الكاتبة " فاتي " في تلك الومضات الكتابيّة و التي كأنّها للوحات تشكيليّة فنّيّة... تبدو محكومة بالتّفاصيل و العناصر, محكومة للنّصوص... بحيث أنّها تجري معالمها في ذاكرتها, مجرى الدّم في عروقها, لا تبرحها, و لا تغادرها, أو تفارقها, و تحرّضها عناصرها الفنّيّة على نفسها, فتصبر و تصطبر...

          في مجموعتها الكتابيّة المختلفة, تبحر الكاتبة " فاتي " في فضاءات الوجود, تشق عباب الحياة, تحاكي موج العيش, شراعها الخواطر للوجود و الحياة و الحب...

          و من خلال كتاباتها  المتعددة, تحملنا على صهوة أجنحة الخيال, نمتطي معها السّحر البهيّ, الموصل بنا إلى عوالم, تمتزج فيها الأحاسيس و المشاعر, مع الكلمات و الخواطر السّاحرة, النّابعة من صميم إمرأة كاتبة, تمرّست بالكتابة الحرّة و التّأليف, لتنتقل بنا في معالم خواطرها, إلى معالم الإنبهار أمام أجمل النّصوص, تشكلها الكاتبة " فاتي " و كأنّها قطع قدّت من عالم آخر في لوحات فنّيّة مشهديّه كتابيّة نصوصيّة, رسمت بأنامل سحريّة... تأخذنا إلى أبعد من الإطار و الشّكل و المحارف و الكلمات, في محاكاة روحيّة, تحملنا إلى عالم السّحر و الجمال و الحقيقة التي تتختفي خلف الخافيات...

          الخواطر عند الكاتبة " فاتي " تمتزج فيها أحاسيس الوجدان بعبق النّفس, لتعزف على أوتار القلب, ألحان الحياة, في حركة جموح و ثورة, تعكس فعل المعاناة, عند فنّانة تتنفّس الفنّ, و تتحدّث إليك بالفنّ الكتابي, و تتعامل في يوميّاتها مع النّاس بالفنّ الكتابي عبر صفحتها الفيسبوكيّة... بحيث ذاكرتها الفنّيّة, تهيم في عالم آخر, لتستجلي سرّ الحياة, و تجتلي معنى الوجود, فتبحث و تنقّب و تفتّش متلهّفة للون أدبي مميّز, متشوّقة لفكرة ما, تقطف من الأبجدية الفنّيّة حروفها , تستكشف العقل الباطني, تتقلّب في عالم الأثير, تستلهم الخيال, تتحدّى الزّمان, تستقرئ المكان, تنقش في تاج الأيّام, خلجات نفسها الحالمة, ترصّع صولجان العيش, نغمات الحروف, و ترانيم الخواطر, في مشهديّات ساحرة الجمال, عابقات والهات, تعزف بها على أوتار الرّوح... فتهتزّ الذّات الإنسانيّة, من ومضة نفسيّة, و ترتعش النّفس البشريّة, من بارقة شكليّة, تروي أمتع البّوح في روايات كتابيّة, لترسم أبدع الحكايات, و ترسم أسمى الأمنيات, في رومانسية الحياة, متضمّخة بأطيب الأنفاس, و أحر الهمسات...

          مسارات الكاتبة " فاتي " ترتسم فيها صورة تجديد الحياة, و إنبعاث الحركة في كنه الأشياء, و بالرّغم من الإحساس بالضّمور, و الشّعور بالإحباط... تعود الكاتبة في لعبتها إلى الإلتفاف على بنات الأفكار, و تعمل على إستقطاب الحلم من كنه الرّؤى على أمل اللقاء, راسمة لوحتها الفكريّة المفضّلة بالحروف و الكلمات و الخواطر, مصّورة معاناتها في متاهات الحياة, طامحة في جموح دفين, يدفع بها  إلى التّطلّعات المستقبليّة, التي تجسّد لها إمكانيّة التّواجد الفعلي, و التي تخلق لها إمكانيّة اللقاء مع عذراء خيالاتها, فعل إنسكاب الألوان الفكريّة في بوتقة عناصر اللوحة الكتابية , وفعل انسياب الخواطر  في مجرى الأفكار , ترسم لذة الإبداع في اللوحة الكتابيّة على مساحة ما, في مكان ما, و في زمان ما, فعل ديمومة و كينونة لإقتران الأشياء و إستمراريّة الحياة...

          ففي العملية الإنتاجيّة, على مستوى الإبداع, و بالرّغم من الوجع الذي يلمّ بالكاتبة, و الألم الذي تعانيه, فإنّها في محاكاتها الأثيريّة, يقدّم النّصّ في لوحة إبداعها, كجزء من أعماقها, مجسّدة على صفحة من شفافيّة روحيّة, موقّعة بالحروف, مرسومة بالكلمات, مشكّلة بالخواطر, و بقدرة متمايزة, و قوّة عجيبة, تؤكّد على فعل التّماس الفكرة السّحريّة, في موقعها الملائم, و تحديد البعد الأخر, للوجه الأخر, في محوريّة بؤريّة, تركز عموديّة السّمت الرّأسي, في المكان و الزّمان المناسبين, المتطابقين بين الرّؤيا و الواقع... و هي الشّفافيّة الرّوحيّة التي تتمتع بها الكاتبة " فاتي "...

          الكاتبة " فاتي " المبحرة في عالم الفنون الأدبيّة, العابدة في محراب الكلمة, تقيم صلواتها الكتابيّة في محراب الكتابيّة الموضوعيّة, تترنّم في سيمفونيّاتها الفكريّة العابقة بالطّيب و الحب و الجمال, تهديها للوجود و الحياة و الحب و الناس... تجسّد شفافيّة روحها في لوحات كتابيّة فنّيّة, في وجدانيات من الفنون الأدبيّة, لتؤكّد صدق الذّات في خلاصة الكلمات و الخواطر , و ترسم حقيقة النّفس في رومانسيّة أثيريّة, تأتلق من عمق الأحاسيس, و حقيقة المشاعر, الكامنة في خفايا الحنايا, الممزوجة بضربات الفؤاد, على إيقاع الحب, و العشق و الهيام و الحياة,لترجمة صور الأحلام, إلى واقع ملموس, و تحقيق الرّؤى و الآمال, في واقع يحاكي الآفاق و الطموح...

          الكتابات المختلفة للكاتبة " فاتي " هي تجسيد ديمومة, و توكيد قدرة في حياة الكاتبة، المبحرة في رؤى الوجود و الحياة, من أجل الوجود و الحياة... تكتب الوجود في وجدانياتها... و تشكّل الحياة في خواطرها... فتأتي ملوّنة, بألوان الوجود و الحياة و الحب الذي تحيا فيه, و تعيش دقائقه الكاتبة " فاتي " المتعملقة بفنونها الكتابيّة من ربوع وطنها الجزائر لتتوامض لامعة في آفاق العالم من قلب برمجيات التّواصل الإجتماعي " الفيسبوكيّة" تحمل إبداعاتها و كتاباتها التي تعكس معاناتها في مجتمع بيئتها...

خربشات نجمة بنت طالبي

بدايات خلق و إبداع تتراسخ بالممارسات و التّجارب و زيادة ثقافة الوعي و العرفان

 

بقلم: حسين أحمد سليم

 

تكتب نجمة بنت طالبي كلمات خواطرها و نصوصها، كما يحلو لها أن تسمّيها و تذهب بعيدًا في توصيفها " خربشات "... نثريّة النّسق ذات طابع فنّي التّشكيل، تميل في بعضها نغماتها المتناسق إلى الشّاعريّة، فيما البعض منها يتماسّ تلامسًا لطيفًا مع فنون الشّعر، و كأنّها فيما حملت بوجدانها، معالم البوح في جرأة كتاباتها، شاءت محاكاة توكيد شخصيّتها الإنسانيّة، و هي تمتطي على صهوات أجنحة محارف الكلمات، لتنسج منها في البعد الآخر ما ترتاح له نفسيّتها و يطمئن له قلبها، و هي تمارس حركات أفعال الإجتهاد في خلق فقهيّة مستحدثة لها خصوصيّتها، ترسم و تشكّل من خلالها لوحة مشهدّيّتها، كنجمة بنت طالبي، التي يتراءى لها بين اليقظة و الغفوة تلك الحقيقة المجلوّة و التي تراود وجدانها، و هي تتأبّط قيثارها ذات الوتر الأوحد، لتعزف موسقاتها ذات الإيقاعيّة الخاصّة، بترانيم أنثويّة نسائيّة لها حنينها الخاصّ، و لها وقعها الذي يرود جلاء الأسماع، ليصل إلى جلاء النّفس، فإذا بالعقل يتقلبن منتعشًا بالحنين لأنثى كاتبة أتت كما غيرها من رحم أمّها، إنّما لها ميزتها الإبداعيّة، بحيث تجتهد بقلبنة عقلها حينًا، لتتجرّأ بالبوح بما يعتلج في طواياها، تشكّل من سيّالاته بعض ما تطمئن له ذاتيّتها، فتأتي كتاباتها على شاكلة خواطر قصيرة، تفوح من محارفها و كلماتها و جملها و تشكيلاتها روائح الطّيب، تتجسّد في ضوع و شذي رحيق نصوص نثريّة تحاكي الإيقاعات الشّعريّة في سبكها و صبّ بعض قوالبها...

دائما تسعى نجمة بنت طالبي في ما حملت وجدانها على ريادته في البعد الخيالي، تحريضا آخر ليتتناهى لها خفق السّيّالات من المدى، و كأنّها الرّذاذ يتهادى حنينا من الفضاءات العلا، ليروي عطش الأرض الظّمأى، التّوّاقة للماء الذي جعل الحقّ منه كلّ شيء حيّ... فتراها ترتدي قناع خفاياها في غفلة من ضحكات بكائها، لترسم على نسائجه وشائج نفسها و إبتساماتها، و هي تشكّل الحقيقة التي عنها تبحث و لو بمجرّد رمز من علامة, تخطّ عناصره قناعة واثقة من نفسها بومض أو قبس من وسامة... محاولة في كلّ ما جنحت إليه على ذِمّة الأقدار، أن تقنع من حولها بفرحها و سرورها و حبورها و إطمئنانها، وهي تخفي جراحاتها النّازفة و عذاباتها التي منها تتضوّر، و ما يعاني منه قلبها الباكي الصّامت، المليء طافحًا بالأسرار، و الذي أرهقته الأوجاع و حطّمته الأقدار... لكنّها أبدًا لم و لن و لا تشعر بضعفها البشريّ، أمام قهر الأيّام و تعاظم المعوقات بوجهها، لأنّها تحمل في روحها إيمان يكتنز بمعالم الصّفاء و النّقاء في كلّ ما به تبوح جرأة و تكتب...

المتتبّع بوعي و المتفحّص بعرفان، لكتابات نجمة بنت طالبي المنشورة في صفحتيها الطّافحتين بخواطرها القصيرة، عبر برمجيات التّواصل الإجتماعي الفيسبوكيّة بالشّبكة العالميّة العنكبوتيّة للمعلومات " الأنترنت "، يستطيع أن يسبر أغوارها بشيء من الخبرة، ليستكشف أنّنجمة بنت طالبي، تحمل ذاتيّتها على الهيام في الأبعاد الممتدّة، و كأنّها تتمثّل الفراشات و العصافير و الأنسام، تحاول أن تقطف من كلّ معلم ماورائيّ ومضةً، و تلتقط من كلّ بارقة في البعد الآخر قبسًا، تعكف في مخزون طواياها الإنسانيّة و بوعيها الباطني و عرفانها الذّاتيّ، على تشكيل رؤاها بعد معالجتها حينًا أو تجاوز معالجتها أحيانًا، لترسم و تُشكّل لوحاتها بأنساق مستحدثة، تغرقها طيبة نفس و قلبٍ برموز معيّنة، و تُلبسها ديثاراتًا و أوشحةً من أوشحتها التّقليديّة التّراثيّة في مجتمع بيئتها، تتماهى بمسحاتٍ من فلسفة تجريديّة أو سرياليّة أو إنطباعيّة أو واقعيّة أو كلاسّيكيّة أو تحمل أسلبة الحداثة العصريّة، فإذا بها تتلامس كتاباتها على تناسقها أو إختلافها، و تتماذج بألوان تتكامل في سياقاتها حينًا و تتنافر في تزاوجها حينًا آخر، و يتوالد فيما بينها المتنافر ما يقارب بين تنافرها، لتعكس مشهديّات جماليّة لافتة لا تلتقطها إلاّ العيون الرّافلة بالجمال في حداقاتها، و لا تعي فقهيّة أبعاد أسرارها إلاّ العقول المُتفكّرة بطوايا رحمة الله و مودّته لها...

تجارب نجمة بنت طالبي الكتابيّة المتنوّعة، و التي شاءت لها أن تتفتّق من زاوية الخواطر القصيرة، النّثريّة بفنونها و الشّاعريّة بموازينها، توزّعت على لوحات تحمل مشهديّات من الوصف المُسهب حينًا و المُختصر حينًا آخر، و لجت في تشكيلها الكاتبة من كوى الرّؤى المعيشيّة و الحياتيّة، و الأساليب الشّعبيّة السّائدة في حركات أفعال تعامل و تواصل النّاس فيما بينهم، و صولاً إلى رؤى فعل النّقد الإجتماعي، و حيًا و إلهامًا و إستقراءً من واقع المجتمع البيئي الذي تعيشه، بكلّ موروثاته و تقاليده و أعرافه و قناعاته و تطلّعاته... هذا و لم تغفل الكاتبة ولوج فنون الغزل اللطيف و الخفيف و الملتزم في نصوصها، تماشيًا مع أخلاقيات و مناقبيات و نظم البيئة المحافظة... و كذلك كان للكاتبة بعض الكتابات التي تناولت جوانب من الفلسفة المبسّطة و أخرى من الحكمة و البعض من الصّوفيّة و بعض الكتابات الحواريّة... و الكثير من الكتابات المتنوّعة التي تنضع بالمودّة و الرّحمة لتتفرّع نضارة بالحبّ الأقدس و العشق الأطهر، إضافة لبعض الكتابات الوطنيّة التي تنمّ عن مدى حبّها لوطنها الجزائر و تعلّقها بهويّتها العربيّة، و التي ساهمت بنشرها لأصدقائها و متتبّعيها، بحيث تجلّت في بعضها و أبدعت، و تستوجب بعضها كتاباة حروفها بماء من ذهب و ليس بحروف ضوئيّة، فيما البعض منها كان يتطلّب التّريّث بنشره، لمراجعته و تنقيحه و تعديله ليأتي أكثر جماليّة في حبكته الفنّيّة و أسلبته الإبداعيّة...

مجمل كتابات نجمة بنت طالبي، يغلب عليها الطّابع القصصي اللافت، و التي إستقته الكاتبة من مجريات الأحداث التي تحدث في مجتمع بيئتها أو مجتمعات أخرى متقاربة مكانًا و زمانًا و تقاليدًا و أعرافًا... و أستطيع أن أقول بكلّ جرأة و بوح شفيف و رأي تكليفي و مسؤول مشفوعًا بنبل في التّوصيف، أنّ ما قرأت من كتابات نجمة بنت طالبي، هو بدايات لافتة و تتّسم بمسحات من جماليات و أفكار و توصيفات، لمشروع كاتبة مستقبليّة، سيكون لها حضورها القوي فيما تحمل من بذور إبداع، و ملامح تجلّيات في مجالات الخواطر القصيرة و الأقاصيص المختصرة و الأقوال الحكميّة و غيرها ممّا يراود وجدانها، إن إلتفت إلى كيفيّة تفعيل أدواتها و تقنيّاتها، و واظبت على إثراء ثقافتها بكشكولات من الألوان الثّقافيّة التي تغني وعيها و عرفانها، و هي قادرة على حركات الأفعال لتحقيق ما تصبو إليه في المدى...

و من خربشات نجمة بنت طالبي إخترنا هذا النّموذج

سأسجنك داخل قلبي، و حارسك سيكون رمشي، فلا تراك إلاّ عيني، و لا أنت ترى غيري...

إن أعجبك قصري، سأزيدك قربي و ودّي، و إن خنتني، سأقلب وجهي... 
لا أحب أن أفرض حبّي، فقط أن تحترم مشاعري...

فأنا أشبه النّمر في قوّتي، فلا تستهين أنت بقربي...

و إلا ستبكي الدّهر لبعدي، و سيرافقك طيفي أينما تمضي، و لن تستطيع نسيان إسمي...

خربشات نجمة بنت طالبي